• ×
الأربعاء 8 رمضان 1439 | اليوم
د.بندر أحمد الزهراني

التقليد عادة تقتل الطموح

التقليد في معناه العام هو تكرار ما يقوله الناس من أراء و أفكار أو ما يفعلونه من عادات و تقاليد و ممارسات، و الأصوليون لهم تعريفات و تفصيلات دقيقة و يفرقون بين المقلد و المجتهد، و التقليد كممارسة مرتبط بأمورٍ كثيرة تتداخل مع العقل البشري الذي يهدي السلوك نحو اختيار الأقوال و الأفعال و التوجهات و التصرفات، و هذا الإتجاه في التعريف بلا شك سوف يدخلنا في تعقيدات فلسفية كثيرة لست بصدد بسط الحديث عنها، فأنا هنا لا أتحدث عن التقليد بمعنى الاتباع و الاقتداء و إنما بمعنى التكرار و استنساخ ما يقوم به الآخرون خصوصاً عندما يكون ذلك في أنشطة تعليمية و مشاريع تنموية محفوفة بمخاطر الفشل و النجاح معاً.
دعوني ابدأ الحديث عن استنساخ الجامعات لبرامج بعضها البعض ظناً من إداراتها أنها تتنافس بحرارة فيما بينها أو ربما بحسن نية تعتقد بهكذا توجهات أنها ستساهم في تنمية المجتمع! و في الحالتين للأسف الشديد تُقتل الطموحات من حيث لا نقصد أو ربما لا ندري! إن ظاهرة تشابه الجامعات في أنشطتها العلمية و البحثية و المجتمعية و كذلك الطلابية ليست ظاهرة صحية أبداً بقدر ما هي تكرار للذات و إهدار للموارد. كل جامعاتنا بلا إستثناء تتحدث عن الإبداع و التميز و بعضها لديها وكالات للإبداع و المعرفة إلا أنها كلها تسقط في مصيدة “التقليد”، فإن فشلوا فشلوا جميعاً، و إن نجحوا تشابهت نجاحاتهم و لم يعد للإبداع مكان!.. ونحن نقول بصوت واحد: عذراً هكذا جامعات بعيدة كل البعد عن تحقيق رؤى و تطلعات سمو ولي العهد في المشروعات الوطنية العملاقة.
هناك جامعات ناشئة وُلدت قيصرياً من جامعات كبيرة و قديمة و منها استنسخت برامجها استنساخاً كاملاً، فهى مجرد تكرار للجامعات الأم، و كان بإمكان المسؤولين تحويلها إلى جامعات عصرية في برامجها و في خططها الاستراتيجية بل و حتى في أسلوب إداراتها.. تُرى هل كانت المملكة بحاجة ماسة لخريجين في الكيمياء و الفيزياء و الرياضيات و الأحياء! أو في التربية! حتى نجد هذه الأقسام في كل الجامعات الناشئة بالمملكة! الجواب قطعاً لا، لكن المملكة كانت و مازلت و ستظل بحاجة ماسة جداً لأطباء و مهندسين من طراز خاصٍ و رفيعٍ لا طراز تقليدي مكرور، يتطلعون للعمل في المشاريع الوطنية العملاقة كمشروع نيوم أو مشاريع المدن الاقتصادية الكبيرة.. تخيلوا معي حال جامعة كجامعة جدة أو شقراء أو الباحة مثلاً لو خُصصت برامجها في تقنية علوم الحاسب أو في العلوم الطبية فقط كما هو حال جامعة الملك فهد للبترول و المعادن التي عند إنشائها خُصصت برامجها بشكل موجه إلى هندسة و صناعة البترول! و لذلك كانت متميزة و لها اسمها و مكانتها.
ما يدعو للخوف و القلق أن بعض الجامعات الناشئة و الكبيرة على حدٍ سواء لا تروم مجداً أكثر من كونها جامعة تضم مجموعة من الكليات في حرم واحد! إن تشابه الجامعات في التخصصات و البرامج و الأنشطة الطلابية و التوصيفات الإدارية هو في الواقع بجانب استهلاك الطاقات البشرية و إهدار الموارد المالية خطأ استراتيجي كبير و ذلك حينما يكون مصدراً أساسياً لنمو البطالة في المجتمع. و يفترض على المسؤولين في الوزارة أن يقوموا بمراجعة تشابه التخصصات و تكرارها في الجامعات دونما فائدة تُرجى أو حاجة تُلبّى و إلا فإن ترهلاً عظيماً سيصيب المنظومة التعليمية في المملكة بمرض عضال لا سمح الله!
 0  0  493